السبت، 28 يونيو 2008


الدستور – عمر أبو الهيجاء

فازت الشاعرة الأردنية نبيلة الخطيب مؤخرا بأفضل قصيدة في الوطن العربي بمسابقة مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين ، وتعد الشاعرة الخطيب من أفضل الأصوات الشعرية النسائية في الأردن ، وقد حازت قبل هذه الجائزة على عدة جوائز شعرية ، فقد أصدرت الشاعرة خلال مسيرتها الأدبية عدة مجاميع شعرية هي :صبا الباذان ، ومض الخاطر ، عقد الروح ، صلاة النار ولها إصدارات أخرى مسموعة بأصوات فرق فنية للكبار والأطفال.
الدستور التقت الشاعرة نبيلة الخطيب وحاورتها لفوزها بالجائزة ورأيها بالمسابقات الشعرية وحول القصيدة النسوية وحول النقد وقضايا إبداعية أخرى.

*ماذا عن فوزك بأفضل قصيدة في الوطن العربي وماذا يعني لك هذا الفوز؟
- هذه هي المرة الثانية التي أفوز فيها كأفضل قصيدة في الوطن العربي من أكبر مؤسسة شعرية تعنى بالشعر العربي وهي مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين ، وهذا من فضل الله تعالى علي وتوفيقه ، وأنا حين أتقدم بالقصيدة للمسابقة أكون مطمئنةً إلى أن فيها قابلية الفوز من حيث المعنى والموسيقى واللغة العصرية البعيدة عن الإبهام وأحرص بأن لا ألجأ إلى الضرورات الشعرية ، فأنا لا أرى اللجوء إلى اللجوء إلا في أضيق الحالات ، ولكن في حالة المنافسة فلا أحد يضمن الفوز لنفسه ، لأن الآخرين أيضاً لم يدخروا جهدا للاعتناء بقصائدهم.
أما الفوز فهو يعني محطة انطلاق جديدة مشحونة بالسعادة والنشوة من جهة ، والإحساس بالتحدي والمسؤولية من جهة أخرى ، وهو دائرة ضوء تسلط على تجربة المبدع والإبداع فتضعهما تحت المجهر.
وهذا الفوز أعطاني مؤشرا إلى أن القصيدة العمودية لا تزال بخير بل في مكان الصدارة ، حيث القصيدة التي توجت كأفضل قصيدة في الوطن العربي هي عمودية.

*برأيك كيف تقرئين مبدأ المسابقات الشعرية وما الذي تضيفه للمبدع؟
- المسابقات الشعرية ظاهرة جيدة ، ومن حسناتها أنها تعطي حوافز للإبداع وتدفع للبلوغ بالشعر إلى أقصى محاسنه عند المبدع ، وهي ظاهرة ليست من بدع اليوم بل كانت منذ القدم فقد كان الشعراء يقدًّمون أنفسهم أمام بعضهم البعض وأمام النقاد والجمهور ، وكانت لهم أسواق الأدب مثل عكاظ وذي المجاز والمربد..
إذا التزمت المسابقات على التحيز للإبداع فإنها ستكون عونا للنهوض بالأدب إلى مراقي التألق وتبرز ما يستحق إبرازه ، وهي سبيل للتميز والمفاضلة حتى يبقى الأدب بعامة والشعر بخاصة في مكان يرتقي صهوته أهله..
أقول ذلك لأني أعدّ الشعر معلما حضاريا بل مخزونا حضاريا يقدّم إلى الأجيال اللاحقة كوثائق شاهدة على العصر.

*يقال بأن القصيدة النسوية - إن جاز التعبير - لم تبرز أسماء تكمل مسيرة الرائدات في الشعر؟
- هذا سؤال يتكرر كثيرا ، وأعتبر تكراره دليل اهتمام وإرادة نهوض بالشعر النسوي.. كان في الماضي عبر مختلف العصور شواعر رائدات حفظ التاريخ أسماءهن وشعرهن ، وفي حاضرنا من الشواعر الظاهرات، أرى أن المرأة تشق طريقها في الإبداع الشعري وأن الواقع الاجتماعي اليوم يضع المرأة على المحك الحقيقي في التقدم والعطاء ، وكل ما كانت تظنه معوقا قد زال من أمامها ، نتطلع إلى أين ستصل التجربة النسوية وإلا فإن الفكرة السائدة بأنها كانت تواجه معوقات مختلفة تحول بينها وبين الإبداع ليس هو السبب.. وأنا بصدق أتابع لا للمنافسة بل للتكميل والمؤازرة في ما اعتباره مساهمة حضارية.

*بعد إصدارك أكثر من مجموعة شعرية هل استطاع النقد أن ينصفك كشاعرة؟
- بصراحة أنا غير راضية عن مسيرة النقد بشكل عام فهو لا يواكب العمل الأدبي ليكون عليه رقيبا وفاحصا مما أدى إلى أن تعج الساحة بما لا يرقى إلى الأدب الحقيقي.. فحين يأمن الأديب رقابة الناقد لن يفكر كثيرا قبل أن يزج بإنتاجه إلى المطابع.
حتى الآن لا استطيع أن اجمع ما كتبه النقاد حول مجموعاتي وقصائدي الشعرية لأقدمه كعمل علمي يرقى إلى مستوى النقد الحقيقي ، هناك كتابات من هنا وهناك ولكنها ليست المأمول حجما ومضمونا.
أرجو أن أرى شعري بين يدي مباضع النقاد فهذا يسعدني ، وإن كانت الجوائز التي نلتها تقدم حافزا لدراسات نقدية أكبر.

Date : 24-06-2008

السبت، 21 يونيو 2008




هل جادك الوجدُ والأشواقُ تحترقُ وأمعنَ السّهدُ فـي عينيكَ والأرَقُ

فـدّيتَ مِـن عاشـقٍ لا يستقـيمُ لــهُ إلاّ التباريحَ فـي الأضلاع تختفقُ

لزفـرة الآه نارٌ فـطّـرتْ كـبـدي وباتَ منها الحشا يغلي ويستلـقُ

لملـمْ جـراحَـكَ فـالأيامُ سـادرةٌ بالبيـن تُسلطُــه سيفـاً وتمتـشـقُ

فلا التّعَطّفُ يُجـدي فـي توَدّدِها ولا التماسُ الأماني حـينَ نرتفـقُ

بيداءُ بَيْدَ بهـا الأمـواجُ صاخـبـة جـرداءُ يُحكِمُ في أنوائها الغـرَقُ

يمتدّ حُـزنٌ علـى أطـرافِ بهجتنا نمسـي نُكفـكـفــه فـينا وينهـرقُ

لـه جـناحـان كالغــربان يفـردهـا تنضـمّ فـــوقَ أمـانينا وتفـترقُ

يُطِـلّ مـثـلَ فـضـولـيٍّ يُماحِـكـُـنا تطاولَ الصدرُ والكتفان والعُنـقُ

ومعوَلُ الصبر كم ينبو ونشحذه! فهل عليه صخـورُ الهـمّ تنفلـقُ؟

دنيـا نلـوذُ بأثـواب الرجـاء بهـا والثوبُ منها رقيـقٌ واهـنٌ خَلِـقُ

فـكـلما راحــت الأحـلامُ ترتـقــه - وهماً– تضاحك منّا وهو ينفتقُ

نعـدو، تكـلّ بنا الأعمـارُ لاهـثـة وقــد تمازجَ مـنّا الـدمـعُ والعَـرَقُ

نرتدّ نبحـثُ عـن ماضٍ تُنازعُنا ذكرىً يفيضُ بنا مِن طيفها عَبَـقُ

تستوطنُ الشمسُ شيباً فـي ذوائبنا وفي العيون لهاتيكَ اللظى شَفقُ

فما التّرَقّبُ والدنيا على سَفـرٍ؟! وما التريّثُ والأعـمارُ تستَبِـقُ؟!

ومـا الترَجّــلُ والأيـامُ عـاديــةٌ دهمـاءَ تَصهَــلُ إيذاناً وتنطلـقُ؟!

تظلّ تضبحُ لا تلوي على سَكَـنٍ مضمارُها الأرضُ والدنيا لها أفُـقُ

أيا الشفـيـقُ هــي الأيامُ نافــرة مَـن ذا يُلَجْلِجُها شَكّاً ومـن يَثِـقُ؟!

هل جادَكَ الوجد؟ هَدْهِدْ بعضَ ثورَتـهِ فالهَدأةُ الحقّ حينَ الروحُ تنعَتِقُ

هـناكَ لا بيـنَ نخشى أن يُداهِمَـنا ولا يقــضّ تدانيـنا بهــا فـَـرَقُ

نرتادُ في زمرة الأحباب صفوتنا مَن عاهدوا الله أبراراً وقد صَدَقوا

فافرح لَعَمْرِ الـذي سوّاكَ إنّ لنا فـيهـا حـيـاةً مـن النعـماء تنبـثـقُ

قـد كـان قلبُكَ نبعـاً لا يغـيضُ بـه وُدّ فيقـصـدهُ الظـامي ويَغـتـبِـقُ

وباتَ ذكـركَ زهـراً نادياً عَـبِقـاً يضفـي على الشعـر إيناقاً ويأتلقُ

كـم جادك الوجد؟ هـل كتّمتَهُ جَلـَدَاً؟! فالصابرونَ لهم في المُرتقى فلَقُ.


الأربعاء، 11 يونيو 2008






الرأي الأردنية

حصدت الشاعرة نبيلة الخطيب جائزة أفضل قصيدة في الوطن العربي في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الشعرية في دورتها الحالية لعام 2008 ، أعلن ذلك خلال مؤتمر صحفي للمؤسسة عقد أول أمس في دمشق عاصمة الثقافة العربية ، والتي توّجت قصيدة عاشق الزنبق للشاعرة نبيلة الخطيب (الأردن) كأفضل قصيدة في الوطن العربي ، وحصل الشاعر يحيى السماوي (العراق) على أفضل ديوان شعر ، بينما ستكرم هذه الدورة الشاعر هارون هاشم رشيد (فلسطين)على مجمل حياته الأدبية. ويذكر أن الشاعرة الخطيب كانت قد حصلت على الجائزة الأولى لمسابقة مؤسسة البابطين عام 2000 ، عن قصيدتها صهوة الضاد وبهذا تكون أول من حصل على جائزتين من أكبر مؤسسة شعرية في الوطن العربي.



اقرأ القصيدة من هنا:-





مصادر الخبر:



الدستور الأردنية





الوطن:

جائزة عبد العزيز سعود البابطين.. تعلن أسماء فائزيها.. من دمشق!!



وكالة الأنباء السورية:

احتفاء بها عاصمة للثقافة العربية..مؤسسة البابطين للإبداع الشعري تعلن جوائزها من دمشق:

أعلنت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في مكتبة الأسد بدمشق صباح أمس عن أسماء الفائزين بجوائز الدورة الحادية عشرة لمسابقة الشعر العربي التي تقام مرة كل عامين. وفاز بجائزة أفضل ديوان الشاعر يحيى السماوي من العراق عن ديوانه نقوش على جذع نخلة وقيمة هذه الجائزة 20 ألف دولار في حين فازت الشاعرة الأردنية نبيلة الخطيب بجائزة أفضل قصيدة عن قصيدتها عاشق الزنبق وقدرها عشرة آلاف دولار. أما جائزة النقد لهذه الدورة فقد حجبت على ان تمنح لناقدين اثنين في الدورة المقبلة وذلك لعدم مطابقة النصوص المقدمة هذا العام للشروط المطلوبة. أما جائزة الإبداع التكريمية فكانت للشاعر الفلسطيني هارون هاشم الرشيد.


*******************

القبس الكويتية:

http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/
فلسطيني وعراقي وأردنية يفوزون بجوائز البابطين

11/06/2008 دمشق – كونا - أعلنت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للابداع الشعري في دمشق عن أسماء الفائزين بجوائز دورتها الـ11 بعد أن وافق مجلس أمناء المؤسسة على تقرير لجنة التحكيم.وقال رئيس مجلس أمناء المؤسسة عبد العزيز سعود البابطين في مؤتمر صحافي ان الأسماء التي فازت بجوائز المؤسسة هي الشاعر يحيى السماوي من العراق عن جائزة أفضل ديوان وعنوانه «نقوش على جذع نخلة» والشاعرة نبيلة الخطيب من الأردن عن جائزة أفضل قصيدة بعنوان «عاشق الزنبق».وأوضح أن جائزة النقد لهذه الدورة حجبت على أن تمنح لناقدين اثنين في الدورة المقبلة وأما جائزة الابداع التكريمية فمنحت للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد.وهنأ البابطين الفائزين بجوائز المؤسسة متمنيا لهم المزيد من الابداع مؤكدا في الوقت نفسه أن المؤسسة ماضية في طريقها الذي اختطته لنفسها لتكون مظلة لجميع الشعراء العرب يجدون فيها مستقرا لجذورهم. وقال ان المئات من الشعراء والنقاد تقدموا الى مسابقات المؤسسة في كل دورة وفاز العشرات بجوائزها منهم المشهور ومنهم من لا يزال يصعد في سلم الشهرة موضحا أن هذه الجوائز خضعت لتحكيم نخبة من نقاد الشعر ووفرت لها كل الأجواء لتكون احكامها في غاية الموضوعية والنزاهة.وذكر أن المؤسسة درجت منذ قيامها على الاعلان عن مسابقة بين شعراء الوطن العربي تتناول أربعة أفرع من فنون الشعر هي أفضل قصيدة وأفضل ديوان وأفضل كتاب في نقد الشعر وتكريم الشاعر المتميز.وأوضح البابطين أن «هدف المؤسسة من هذه الجوائز هو تكريم المبدعين الذين أثروا حياتنا وخلق حوافز جديدة تساعد على أن يستمر نهر الابداع متدفقا ومتصاعدا».وأضاف «قد اخترنا أن يكون هذا المؤتمر الصحافي في دمشق عاصمة الثقافة العربية لهذا العام لنشاركها فرحتها وزهوها بهذا التكريم الذي تستحقه ولنسجل كلمة اعتزاز و فخر بهذا البلد الذي منح الشعر العربي كوكبة من رواده العظام من أبي تمام حتى نزار قباني».

الجمعة، 6 يونيو 2008


في ذكرى النكسة نجدّدُ العهد للشيخ أحمد ياسين الذي سلمنا الراية ومضى دون أن يغيب..


مـا غـيَّبـوك

أغمضتَ عينكَ حتى نبصرَ الألَـقـا
ووهجُ نبضكَ من أعصابنا دَفَقـا


قالـوا جـثا الليلُ معقـوداً بدُهمَـتِـهِ
وغـيّبـوكَ بقـلـبِ الليـلِ فـانفـلَقـا



يا مَن صنعتَ من القضبان مدرسةً
وهجعـة القـبر قـد سَوّيتَهـا أفـقـا


لملمْـتَ أمّـتنا قـلباً عـلى قـسَـمٍ
لمّـا تناثرتَ قـربـاناً بهـا مِـزَقــا



تلاطَــمَ الليـلُ والإعـصارُ لُـجّـتُـهُ
أنجـاكُ ربّكَ إذ أسطـولُهـم غـرقـا



هم أحرصُ الناس أن يحيَوْأ فأورَثهم
حِرْصٌ عليها وقد غُلّـوا بها قـلَقـا


فما الحياةُ لمن يضنى بها ولها
إلا ابتـلاءً ونكـراناً لمـن عشقـا؟!


وسَكرةُ الموت حين الموتُ صَنْعَتُهم
ذوقـوهُ لكـن هـواناً شائكـاً زهَـقـا


وصيحة الحق يوم الحق موعدنا
من ذا يَحيدُ عن الوعد الذي صَدَقا؟!


تشَقّقُ الأرضُ عنهم ثم تلفظهم
فيسقـطــونَ عـلى أعـقـابهـا فَـرَقـا

***

الشيخُ لم يسأل الأيامَ لو سِنـَةً
وقـد أناخَ علـى أجـفـانـه الأرَقـا


فأنبتَ الصحوَ في أحداقنا وغفا
وظـلّ فـينا غـزيراً يانعـاً غَـدِقـا


يا للمعـلّـم لمّـا صـابَـه نصَــبٌ
توَسّدَ الحرفَ والبارودَ ثمّ رَقـى


وانصبَّ فوقَ جراح الأرض فالتأمتْ
وأسكنَ الألـمَ المسفـوحَ حـين رقـى


فرتّـلَ الكـونُ أصداءَ الحـروف لـه
وأشعـلَ الـدمُ فـي تاريخـنا الـوَرَقــا



كم نازلتهُ عصيباتُ الزعافِ دُجىً!
سلوا المضاميرَ مَن في أوجها سَبقا


سلوا الضوامرَ والفرسانَ هل شهدوا
ذاك الـذي خـلّـفَ الأيامَ وانطـلقـا؟!


مـا أتعـبَتـهُ العَـوادي عَـدّهـا وعَــدا
وكـلما ضيّـقـوهـا حـولـه سَمَـقـا


بالسجنِ بالنار ما لانتْ عزائمُـه
ساموهُ مَكراً فأعيى مَكرَهـم رَهَقـا


مَن أشعلَ الروحَ قنديلاً وقافية؟!
وبـثَّ فـي دمـنا مـن طِـيبِه عَـبَـقـا


يا غرّة العصر والأجيالُ تذكـرُه
طوّقتَ بالعهـد منا القلـبَ والعُـنقـا


فليشهد الدهرُ أنا لا ننامُ علـى
عـهـدِ قـطـعـناهُ حـتـى نسْلِـمَ الـرّمَـقـا.

7 / 4 / 2004

الثلاثاء، 3 يونيو 2008



ما إن لامست قدماي أرض إسبانيا حتى لهج قلبي ولساني بالدعاء (اللهم ارفع راية الإسلام في هذه البلاد)، ملأتُ رئتيّ بالهواء وأطبقتُ أجفاني للحظات محاولة كبح جماح عبراتٍ تراود بالانفلات في ظرف غير مناسب، لا بد من التوجه بشكل عملي مع حشود القادمين لتعبئة بطاقات معينة ومتابعة أمور الجوازات وتفقد الحقائب، من مطار إشبيلية نقلتنا الحافلات الكبيرة إلى قرطبة ووزعتنا على الفنادق المحجوزة لنا حسب ترتيب مسبق





بعينين أرهقهما النعاس تفقدتُ الساعة زمن الوصول فإذا بها قاربت على الرابعة فجرا ( كنت أظنها فجرا)، في الصباح ناداني منبه هاتفي الخاص، فنهضتُ واختلستُ نظرة من خلف الستارة، فإذا بالظلام ما زال يحتضن المدينة الغافية، عاودت النظر في الساعة فإذا بها حول الثامنة، أصابني شعور بأنني فقدت الإحساس بالزمن، رفعتُ سماعة الهاتف وسألت الموظفة المناوبة عن الزمن فأجابت بأن الساعة الثامنة وخمس دقائق صباحا، أعرف أن صفة نؤوم الضحى تليق بالغيد المنعّمات، أما أن أرى الشمس كذلك فهذا لم يخطر ببالى، الثامنة وخمس دقائق في بلاد المشرق تعني أن جيوشاً من الطلاب يجلسون على مقاعد الدراسة، و آلاف المعلمين والمعلمات يتمرغون بغبار الطباشير، وأن أعداداً هائلة من السيارات تطلق أبواقها في اختناقات السير المزمنة، وأن ملايين الأرغفة قد خُبزت وربما غُمس بعضها بالفول أو الحمص أو زيت الزيتون والزعتر، بالمناسبة، كنت على مدى أيام الرحلة كلما دخلت المطعم تذكرت المثل الشعبي الذي يقول: (صحيح لا تقسمي ومقسوم لا تأكلي وكلي حتى تشبعي)، اللحوم هنا ما لم يكن من الخنزير فهو بالتأكيد ليس مذبوحاً على الطريقة الإسلامية، والأجبان والألبان بأنواعها وأشكالها لا تخلو من دهن الخنزير، وحتى الخبز لا يُستبعَد أن يحتوي على بعض الكحول، أما الحلويات والكعكات الإسفنجية فلا بد من استخدام الكحول فيها لإخفاء نكهة البيض الكريهة، موظفو المطعم كانوا يؤكدون لنا- كمسلمين - أن المأكولات والمشروبات تخلو مما نحرص على اجتنابه، ولكن من يُصدّق؟! الفواكه وبعض قطع الخبز غير المخمّر مع المربى والعصير الطبيعي هي الأصناف الآمنة في مثل هذه الأحوال.





فعاليات التظاهرة الثقافية التي أقامتها مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين وأطلقت عليها اسم دورة ابن زيدون ستفتتح في الثامنة مساءً , وأما نهار اليوم فهو وقت حرّ للراحة من عناء سفرنا الطويل والذي أطاله وجعله مرهقاً هو تجمع المسافرين من شتّى الدول العربية في القاهرة والانتظار حتى المساء للتوجّه إلى إسبانيا على متن طائرة خاصة كبيرة , اتفقنا أن نستثمر هذه الفسحة من الوقت في زيارة مسجد قرطبة. وما أدراك ما مسجد قرطبة , جمال يفوق الوصف وبهاء يخلب الألباب , أعمدة من الرخام الأسود وأخرى من الرخام الأبيض تنتصب فوقها أقواس من الرخام الوردي والأبيض , المنبر آية من الجمال نقشت عليه آيات من القرآن الكريم بخط جميل ودقة عالية , مساحة المسجد شاسعة وقد جرت توسعته أكثر من مرّة.


مسجد قرطبة





مئذنة من مآذن مسجد قرطبة الكبير


لكن الذي يحز في النفس ما رأيته من إضافات غير إسلامية أُلحقت بالمسجد , فقد جعلت في أحد مداخل المسجد كاتدرائية وقد علّقت على المآذن أجراس كنائس .

وباعتراف الأدلة السياحيين الإسبان أن ألفونسو أمر ببناء الكاتدرائية قبل دخوله قرطبة , وعندما دخلها ورأى ما رأى من روعة مسجدها العظيم أصابه الندم وقال عبارته المشهورة إنني شوّهت تحفة فنيّة نادرة في العالم بإضافة بناء إليها يوجد مثله في العديد من البلدان .

بعد زيارة مسجد قرطبة زرنا بيتاً أندلسياً , عندما تُفتح البوابة الخارجية للمنزل تستقبلنا في باحة البيت نافورة عذبة الماء , على يمينها بئر تنعكس على وجهه صفحة السماء حيث الباحة الثرية بخصوبتها الوارفة وأزهارها سماوية السقف , هبطنا عبر ممر ضيق وأدراج قديمة إلى قبو مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة . يحتوي أدوات خشبية ونحاسية قديمة بعضها للزراعة وبعضها الآخر مواقد وآنية طهو وأشياء أُخرى .



الطابق الأوسط للبيت قد جُعل متحفاً عرضت فيه وثائق وأوراق عملات قديمة وبعض التحف . الجهة اليسرى من المنزل تطل على شرفة سماوية أيضاً تحفل بالأزهار العابقة والجمال الأخاذ -(صدقاً اشتهيت أن احتسي فنجان قهوة في ذلك المكان البهي) – في الخلف حمام يحوي حوضاً كبيراً ما زال أصحابه يحرصون على ملئه بالماء المغطى بالأزهار الطافية على السطح ويُصار إلى تجديد الماء والزهور بين الفينة ولأخرى .


أما الطابق العلوي للمنزل والمحاط بالشرفات والنباتات المتسلقة والمتهدّلة فإنه معدّ لسكن العائلة صاحبة المنزل ويكتفى بمشاهدة روعة بنائه من الخارج ، لقد عرفنا أن المنزل يعود حالياً للسيدة سلمى الفاروقي زوجة المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي.

الأندلسيون مولعون بالزهور فهم يزرعونها في كل مكان , حتى جدران المنازل بعضها مغطى بشكل كامل بواسطة أُصص الزهور أو النباتات الممتدة والمتهدلة.

لكن ما أثار في نفوسنا الكثير من الألم أن ذلك الحي الإسلامي العريق استولى عليه اليهود حين أخرجوا المسمين منه بعد أن ارتووا من دمائهم وأعراضهم، بل وأطلقوا عليه اسم حي اليهود، وما زال يحمل هذا الاسم،مسجد قرطبة الآن يمنع أن تقام فيه الصلاة ويصعب دخوله إلاّ بتذكرة مدفوعة الثمن!


بيت أندلسي غارق بالورود


عدنا إلى الفندق وأنا يطارحني الزهو تارة والانكسار تارة أخرى , يجب الاستعداد لافتتاح الدورة في تمام الساعة الثامنة مساءً ؛ أقصد عصراً , فقد عرفت أن الشمس تطيل النوم لتطيل السهر،إنها إن استفاقت تمعن بالسطوع كما تفعل عندنا في الشرق، يا لهذه الشمس التي يشدها الحب لمهد بزوغها الأول، لكأني بها عربية الهوى، فهي تنشر توهجها في قسماتنا سُمرة حميمة، وتخبئ دفئها في عروقنا وصدورنا فتضفي ألقاً على العيون والمشاعر، بينما تصبغ جلود غيرنا بالشحوب البارد وتنطفئ على القسمات الباهتة حدّ الجمود، الغروب هناك يكون في حدود الساعة العاشرة مساءً, حسب التوقيت الصيفي لديهم , مع أن الوقت خريف, الخريف هنا غاية في الروعة , أوراق الأشجار اتشحت بالصفرة والحمرة , بعضها
ما زال يلوح للشمس من على الأغصان , والبعض الآخر آثر أن يحظى بغفوةٍ معانقاً دفء الثرى.
أما أشجار النخيل الضاربة جذورها في أعماق الأرض، والشامخة رؤوسها إلى السماء، أدخلها أجدادنا العرب إلى الأندلس وذهبوا، بينما وحدها بقيت متشبثة بالتراب شاهدة على التاريخ.

حفل الافتتاح تحت رعاية ملكية بحضور بهيّ لقمم ثقافية من كل الدول العربية وإسبانيا والبرتغال ودول أُخرى , كان حظي وافراً إذ كانت قراءتي الشعرية في يوم الافتتاح مع عدد محدود من الشعراء العرب والأسبان .

لقد أتيت لأتنشق عبقَ أجدادي ، كانت عبارتي الأولى على منصة الشعر , كما عاد لي طائر الزنبق وأعادني عبر المكان والزمان إلى الطفولة الجميلة , وهكذا عدنا إلى الأندلس وقرأت قصيدة عاشق الزنبق التي ترجمت وقصائد الشعراء العرب إلى الإسبانية والبرتغالية , بينما ترجمت قصائد الشعراء الأسبان والبرتغال إلى العربية .


برنامج الفعاليات كان متخماً بالندوات صباحاً وظهراً ومساءً , هل يعقل أن نكون في إسبانيا بل في الأندلس ولا نزور غرناطة ؟! لا بد من حركة عصيان وتمرد على برنامج الدورة , اتفقنا بسريّة كبيرة مجموعة من الأدباء والكتّاب العرب على رأسنا رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء العرب الدكتور علي عقلة عرسان على السفر إلى غرناطة ، ولكن الخبر انتشر كالنار في الهشيم , فالجميع يتشوقون لزيارة غرناطة , وتوافدت أعداد هائلة تطلب الانضمام إلى الفرقة المنشقة , ولكن هيهات .. فزيارة قصر الحمراء تتطلب حجزاً مسبقاً قد يحتاج إلى أسبوع , ومنظّمو الرحلة الطارئة لم يتمكّنوا من الحصول على حجزٍ - بطريقتهم الخاصّة – إلاّ لعدد من الأشخاص يكفي لملء حافلة نقل كبيرة .


الطريق إلى غرناطة استغرقت ما يقرب الثلاث ساعات ذهاباً ومثلها إياباً , وقد علمنا أن سائق الحافلة قد سلك الطريق الأطول , لكن لا بأس فقد كانت فرصة بالنسبة لنا للتمتّع بمشاهدة روائع الخضرة وطراز البناء المكسو بالبياض والجبال والهضاب , حقول ممتدّة من الزيتون قد طرّزت بها الأرض على مد البصر , وغابات من الأشجار الباسقة تسحر العقول .

من نافذة الحافلة كنت أراقب وكأنني أرى وأسمع سنابك خيولنا وقد أثارت النقع فملأ المدى وصهيلها يجلجل في الفضاء , أقسم أنني أكاد أرى وأسمع , على رؤوس الجبال والمرتفعات تلوح أبراج المراقبة والقلاع شاهدة تتكلّم وتؤكد , وأنا أقرأ التاريخ سطراً محفوراً في القلب , وآخر مرسوماً على الثرى .

مررنا ببلدة تسمى زفرة الأمير الأخيرة هكذا هي الترجمة العربية عن الأسبانية , حيث هناك وقف عبد الله الصغير بعد أن خرج من غرناطة ونظر وراءه وذرف دمعة الألم والحزن التي ما زال ثرى تلك البلدة يصطلي بلهيبها , فقالت له أمه مقولتها الشهيرة :
ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ

لقد بكيتَ يا عبد الله يومها .. وما زلنا نبكي بعدك جيلاً فجيلا , فرّت دمعتي واستشعرت أنني ثالثة اثنين ينتحبان , فها نحن نعيش المأساة يوماً بيوم , وكيف ننسى يا عبد الله ؟!

وصلنا غرناطة , استقبلتنا جنّة العريف , تلك جنة من جنان الله في الأرض , أي روعة وأي جمال ؟! الجنة مبنية بطريقة مدرّجة بديعة , في كلّ صعود بهاء من نكهة خاصة , أزهار وأشجار وماء بارد زلال , يأتي مباشرة من جبل سيرا نيفادا الذي ما زال يعتمر آخر ما تماسك عليه من ثلوج الشتاء الماضي, شدّ انتباهي كثرة وجود الطائر الجميل الأخضر الذي شدوت له ليلة الافتتاح , فهو طائر يجذبه رحيق الأزهار التي تكثر في هذه الحدائق الغنّاءة كما تكثر في فلسطين مهد الطفولة واليَفعة.


في الجهة المقابلة لجنّة العريف , قصر الحمراء يجمع بين الوقار والبهاء , لم يحن موعد دخول القصر بعد , فهناك حجز مسبق يجب التقيد به لتفادي الازدحام داخل القصر , صعدنا إلى القلعة المجاورة للقصر , ارتفاع القلعة والدرج المنتصب الضيق كان اختباراً حقيقياً يصنّف الصاعدين حسب أعمارهم وقوة أجسامهم , لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لكبار السن الذين أصرّوا على الوصول إلى قمّة القلعة , فهي فرصة لا تتكرّر كلّ يوم،حيث المَشاهد التي تُرى من الأعلى ليست هي ذاتها التي تتاح من بين الجدران والنوافذ ,لذا الأمر يستحقّ المثابرة .



حديقة من باحة قصر الحمراء


المكان أصبح مكشوفاً تماماُ , القمم تتيح للنظر ما لا يتأتى لغيرها , الجبال البعيدة مطرزة بأكواخ ملونة تأخذ شكل القباب في غالب الأمر، إنها مساكن الغجر, الوادي المحيط بالقلعة والقصر نموذج باهر للجمال الثريّ , الأشجار المشرئبّة إلى السماء والأغصان الملتفة والطيور المقيمة وأسراب الحمائم التي تحجّ إلى المكان أفواجاً ثم تنعطف لتحطّ على أسطح المنازل الغارقة بالأزهار حتى السقوف .


تملّكني شعور يصعب وصفه , كلّ الذي استطعته أنني بكيت , الدكتورة هبة عارف من مصر سألتني عن سبب بكائي , فأجاب الدكتور صلاح جرّار أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الأسبق: لعلّها تذكّرت الباذان , فهذا المشهد هو أقرب ما يكون لوادي الباذان ، وأضاف معرّفاً، قضاء مدينة نابلس في فلسطين وهي بلدة الشاعرة , أجبته بمرارة : إنني أبكي مُلكاً مضياعا هنا وهناك .


تنهّد الشاعر المصري فاروق شوشة وقال : وأيُ ملك يا أختاه ؟! إنه والله ملك مضاع يستحقّ أن نبكيه .

تحت شجرة كستناء بريّة وارفة الظلال , جلسنا ننتظر وقت دخول القصر , ونأمل قبل ذلك أن يوصل إلينا رجال الأمن كلاً من الدكتور عبدالرزّاق حسين وزوجه اللذين بهرهما الجمال في جنّة العريف وانشغلا بالتصوير , فانفلتا من السرب أثناء ذلك .. ألقت إليّ شجرة الكستناء سخية الظلال بثمرة طاب لي أن أعتبرها هديّة , وهُيّء لي أن الشجرة الشاهدة على عصور موغلة في القدم ,قد أحسّت بما يختلج في نفسي , واستشعرتْ بفطرة الندى ما يترقرق في عينيّ من لهيب , زوجة الدكتور علي عقلة عرسان , التي كنت أشاركها المقعد , كانت تشاركني الهم .

ولا غالب إلاّ الله نقشت على الأبواب والجدران والأقواس وآيات عدّة، أحدهم قرأها وأسقط حرف (الواو) فاعترض أحد الأساتذة الحريصين على اللغة العربية قائلاً إن حرف الواو في ( ولا غالب إلا الله) يحمل دلالة كبيرة , وبدونه يتغير المعنى تماماً , فهي تعني أنه مع الثراء والعظمة والقوة والرخاء نذكر عظمة الله وغلبته أما إذا أُسقِط حرف الواو فتخيّم على العبارة ظلال الضعف وقلّة ما في اليد وضياع الحيلة والانكسار .

الأسود التي في باحة القصر ما زالت جامدة من شدّة الصدمة كأنها لا تصدّق الذي يجري، فقد أصبحت كأسود السيرك التي فقدت ما فُطرت عليه من شموخٍ وإباء , وأمست متاعاً للفرجة , لقد كانت هذه الأسود في يوم ما رمزاً للمنعة والعزّة ! أيّ منعةٍ وأيّ عزة أبقينا لأنفسنا في هذا الزمن ؟!


في آخر أيام الفعاليات واستجابة لرغبة الجميع بزيارة مدينة الزهراء، قامت إدارة التظاهرة الثقافية مشكورة بدمج فعاليات ندوتي الظهيرة والمساء ليتسنى لنا ذلك ، بعد القيلولة نقلتنا الحافلات المخصصة من فنادقنا وكان التجمع في باحة أحد الفنادق لننطلق في موكب موحد إلى الزهراء.


في ساحة الأسود

يا ألله كم هي جميلة ومدهشة تلك المدينة! أي حس فني كان يتمتع به ذلك الأجداد؟! لقد بلغ حد الترف ، نظام الري الذي يتيح للحياة أن تتدفق في كل مكان يمثّل شبكة من الأوردة والشريانات تتوزع بعناية فائقة في أوصال الحدائق العابقة بالخضرة.

القصر الذي يضم المكتبة الشهيرة يشرف على حديقة مدرّجة وممددة , في الجهة اليمنى بوابة أخرى للمدينة ذات أقواس شاهقة تمثل لوحة فنية نادرة ممعنة في البذخ . مساكن الخدم في الجهة اليسرى ضيِّقة وموغلة في التقشف , أي قانون ذاك الذي يتيح للإنسان أن يرفل بحياة متخمة بالترف بينما يجاوره أخوه الإنسان معدماً يرزح تحت وطأة الفاقة؟! هذا ما سنّه بنو البشر لأنفسهم، أما رب الناس فقد ضمن لنا بالتكافل الاجتماعي حياة أكثر عدلاً وانسجاما.

التقطت بعض الصور التذكارية للمكان وكنت معظم الأحيان خارج إطار الصورة، انتهاء نهار هذا اليوم يعني تفاوت في المشاعر والمواقف، إننا نودع المكان الذي ملأنا بالإلفة مع أننا نزوره لأول مرة ، ولا أدري كيف خيمت علي وحشة غريبة في مشهد الوداع ذاك، شيء ما يشد أعماقي إليه ويثير في نفسي اللهفة على أجداد تفاوتوا هم أيضاً في المواقف والسِيَر، فمنهم من ركب البحر وجرّد السيف ونال الشهادة أو النصر لفتح هذه البلاد التي كانت عصية إلا على الأبطال، ومنهم من أخذها سائغةً دون عناء، وفتنه جمالها وشُغل قلبُه بملذاتها، حتى ركنت نفسه إلى الدعة والغفلة، فانتُزع منه المُلك تفريطاً لا قسرا.

وانتهاء هذا اليوم يعني أيضاً أننا على موعد مع الجو الذي سيعيدنا إلى بلادنا وأهلنا ومنازلنا التي افتقدناها وافتقدتنا قرابة عشرة أيام، قبل الفجر توجهنا إلى إشبيلية ، لكن التفجيرات التي حدثت في طابة في تلك الأيام أحدثت إرباكاً في حركة الطيران- كما قيل لنا- هذا يعني أننا سنفقد موعد الرحلة التي ستقلنا من القاهرة إلى عمان، مما يسبب تأخيراً على الأسرة والعمل، لهذا أصابني شيء من الضيق.

في صالة الانتظار في مطار إشبيلية كنا بمعية فخامة المشير عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس الأسبق لجمهورية السودان والذي عرفته في أيام قرطبة إنساناً عظيماً متواضعا، وكان معنا الشاعر السوداني محيي الدين فارس، الذي اختارته مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين لنيل جائزتها التكريمية، وكان الشاعر الفارس يتخيل كرسياً كتب عليه أن يلازمه عمره كله، وهو على كرسيه ذاك فارس لا يُشق له شموخ، طلب مني الرجل الكبير أن ألقي عليه شيئاً من شعري خصوصاً أننا كنا نجلس في المكان الأقل ضجيجاً في الصالة، وتمنى لو تكون القصيدة اللامية التي ألقيتها يوم الافتتاح يقصد(عاشق الزنبق) ، لكن الخلل الذي حصل في برنامج الطيران جعلني في حالة نفسية لا تنسجم وقراءة الشعر، تناولت القصيدة من حقيبتي وكتبت عليها إهداءً خاصاً به، ثم قدمتها له ليقرأها بنفسه معتذرةً عن عدم القدرة على القراءة، ولكنه أشار إلى عينيه وقال إن نظره لا يساعده ، عندها سارع الرجل الإنسان عبد الرحمن سوار الذهب بمدّ يده متناولاً القصيدة وشرع بإلقائها، وعندما وصل إلى البيت الثالث استأذنته وأكملت إلقاء القصيدة وقد أذابني تواضعه حياءا، من السودان أيضاً التقيت الوزير الشاعر محمد صديق المجتبى، وزير الدولة للثقافة ورئيس مكتب رابطة الأدب الإسلامي في السودان، أكثر ما يلفت الانتباه في شخصه عفويته وطيبته وخلقه الرفيع، فهذه الصفات من سمات الإخوة السودانيين، فقد لاحظت غير مرة من خلال لقاءاتي بالعديد من الإخوة والأخوات من أهل السودان أن دماثة الخلق من بعض طباعهم.

في الجو بين إشبيلية والقاهرة وعلى ارتفاع آلاف الأقدام أقيمت أمسية شعرية نادرة ، حيث تطوع بعض الشعراء المتحمسين لإحياء الوقت- لا لقتله- بالشعر مستخدمين الميكرفون الخاص بالطائرة، وقد كان لتلك الأمسية طعم خاص ، فقد تميزت عن الأمسيات التي تقام على الأرض من حيث المكان وربما الزمان وطبيعة الجمهور الذي كان من صفوة الأدباء ومن شتى أقطار الوطن العربي الكبير، تحدثت القصائد عن أمجاد العرب والمسلمين في الأندلس، وعن البطولات التي سُجّلت في صفحات التاريخ، ومنها ما خاطبت ابن زيدون واستحضرت طيف ولادة بنت المستكفي..ولأن الشعرَ طائرٌ يعشق الانطلاق والتحليق كان للانفلات من الأمكنة وإلقاء الشعر فوق الغيم روعةَ لا يستشعرها أي من المُلقي أو المتلقي في القاعات المغلقة على الأرض ولا حتى في الساحات والباحات المفتوحة.

بصعوبة بالغة تمكن مكتب مؤسسة البابطين في القاهرة من تأمين حجز جديد لنا إلى الأردن ولكن في اليوم التالي، ليلة للراحة، وجزء من نهار في حي المهندسين أتاح لنا وقتاً لا بأس به لمشاهدة بعض ملامح المدينة ونهر النيل والتسوّق حيث الصناعات الجلدية الفاخرة، بالإضافة إلى تناول بعض المأكولات الشعبية المصرية، التي يعتزون بها كتراث جميل ويقدمونها في فنادقهم متيحين للزائر أن يشاهد بعض ما يدهشه ، كأن تقوم سيدة وبمهارة عالية بإعداد الخبز المصري الشهي بواسطة التنور.

في الطائرة إلى عمّان تحسستُ حقيبتي الصغيرة وألقيتُ نظرةً في جيبها الأكثر حصانة لأتفقد كنزي الثمين ؛ حبة الكستناء هدية الشجرة الحانية التي غمرتني بفيئها في باحة قصر الحمراء، وحُصيّات كنت التقطّها من باحة القصر ومن مدينة الزهراء، بينما صوت ينزّ مرارةً يئن في داخلي: بماذا تتشبثين وقد ضاعت البلاد كلها؟!

اللحظة التي تلامس فيها قدماي الأرض هي لحظة عابقة بالإحساس بالحرية ، في الجو أشعر أنني أسيرة الفضاء، أما على الأرض فإنني أمشي كما أشاء وأوقف السيارة إذا لزم الأمر وأترجل وألمس التراب وأتشمم الأزهار وأفعل ما يحلو لي، سبحان الله، إن في هذه الأرض سراً يشدّنا إليها، وبيننا وبينها إلفةٌ عجيبة، أوَلم نُخلق منها وإليها نعود؟ لقاء الأسرة بهيج وآسر، ولكنه لم يستطع منعي من التحدث إليهم بمرارة عن ذلك المجد الذي ضاع منا أو أضعناه، عندما وضعت رأسي على وسادتي راحت عبراتي تتفلت من مآقيها وكأنني أشهد الهزيمة للتو.



د. حسن الأمراني


رفقـا بإلفك فـالـجـــــوى* إيــلاف
يا وردة تعــــــــيا بهـا الأوصــاف

بـي لـهـفـة الأم الرؤوم وشوقـهـا
والشوق قد تضنى به الأعطــــاف

ويـرفّ قلـبـي كـلـمــا أودعــتـــه
سرّاً، فقلبي العائـــــــــذ الرفراف

نادى مناد ، والمســـالـك وعـرة:
الشوق يودي، والجـوى متــلاف

فهتفت : نعـم مطارفُ الشهـداء إذ
جاءوا الجوى،إن الجوى إتحــاف

وإذا الجوى اخترق الحصون مظفرا
مــا تـنـــــفــع الآطــام والأسيـاف؟

يا قوتـة العرش امسحي تعبي فقـد
أودى بــزورق شـوقــي التطــواف

حتـى عــوالـي السـرو إن أخفيتها
خفيت، ويخفى النخل والصفصاف

لـكـنّ نار العشق ، موصولا، لهــا
ألـــقٌ، وسرّ بريقــــها كشّــــــاف

وظلالهـا ممــــدودة ، ورمادهـــــا
سُــــــرُرُ الجنـان ونورها خطـــاف

خـبـأتهـا زمـــــــــناً فـلمــا زرتني
هاجت،فأفضى بالجــــــوى الألاّف

فـتخـذت مركـبتي سناهـا هــاديـا
نحــو الحبيب مســـيري الإدلاف

والقـلـب مزدلــف إلـى أحـبابـــه
وقـلـوب أرباب الغــــرام رهـاف

تتـلـو كـتـاب الله والقلـب ارتـوى
فـالـدمــع زادٌ والأنــين قطـــــاف

ذاقوا على البعـد الجـوى فتواعدوا:
( الرمـل يـمّ، والقلـوب ضــفــافُ)

وإذا أنا قـبّـلــــــت طـيـب ترابــــه
حييت بطيـــــب ترابه الأطــــراف

يا لـيـت أني ذرة فـي العشـق مــن
أحـــدٍ، عنـــــت لسمائي الأشراف

أو أنني سعَفُ لــــجذع مـــدنـــف
عـجـــبـت لـمـرّ أنيـــنه الأدنــاف

أحباب قلبي، والجــــوى متمكّــن
هل عـندكم لمــجـرّح إســـعــاف؟

أنا إن رفعت يدي إلى ربّ السمــا
والروح مـن وقـرالـذنوب يخـاف

والقلب مضطرم الجوانب خشيـة
أن يهــلـك التفــريـط والإســراف

فـلـقـد مراني أن قلــــبي مـوقــن
بالعفـو تنشر ظلّـه (الأعـــراف)

ويرف قلبي خاشــــعا متـــــذللا:
يا ربّ، شوقي هاهنا أضعــــاف

--------------------------

طيف ألـمّ عـنت لـه الأطيــــــاف
ترتـد دون جمـــــالـه الأوصـاف

خطت على الأبواب أقلام الجوى:
الشوق أغلب، والقلوب ضعـاف

نشوى وفي أحشائها مار اللظى
سكرى ولم تلعب بهـن ســـلاف

لكـنه الشوق المقيـم لأحمـــــــد
هتف الفـؤاد به ، وطـاب هتاف

أقرئه مني ما وسعت من الجوى
تفديـه منـي مهجــة وشغـــــاف

أقرئه مني ما وسعت من الجـوى
ما اهـتـز بالبيت الحـرام طــواف

(ماذا عساك تبثه ؟ واخجلــــتا)
وعلى القلوب من الذنوب غلاف

شاهت وجوه القوم،من قيل الخنا
فالشهــد ممـا زخـرفــوه زعــاف

لو كان فينا خالد ما استأسـدوا
أو كــان فـينا هاشــم ومـنـاف

ولغوا بعـرض محمد يا ويلهـم
وكأننا، وهـم الذئاب ، خــراف

أهم أشد مـن الجبابرة الأولى
ضمتهم الأهــرام والأحقـاف؟

لكن عبدان الأسرّة ما ارعووا
فهمُ بمحـراب الخـنا عـكـــاف

إن صار ربان السفينة تائـــها
أيلام عـند ضياعـه المجـداف؟

ستظل راية أحـمـد خفـــاقـــة
في كـل ناد، نبضهـا رفــراف

وتخر نائلة، هوت أعلامهـا ،
ويـذل مما قـد جـناه إســـاف

وجدة:18/12/2005
29/01/2006


بسم الله الرحمن الرحيم
أختاه
هذه نسخة منقحة من قصيدة (أقرئه عني الجوى) في ضوء الحملة المسعورة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.


*القصيدة المعارَضة:
أقرئه عني الجوى 1 / 3 ( ثلاثية الجوى )